التضامن مع فلسطين تحت التجريم: البحرين تُضيّق الخناق على التعبير السياسي

تشهد البحرين تصعيدًا مقلقًا في سياسات قمع حرية التعبير السياسي، ضمن مسار أوسع تتبعه عدد من دول الخليج، حيث بات التضامن العلني مع القضية الفلسطينية، أو انتقاد مسار التطبيع مع إسرائيل، يُعامل بوصفه تهديدًا للأمن الوطني.

وفي هذا المناخ المتشدد، تتقلص المساحات العامة، وتتحول المواقف السياسية السلمية إلى تهم جنائية، يدفع ثمنها نشطاء ومعارضون بالسجن والملاحقة.

ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023 وتصاعد الغضب الشعبي العربي، كثّفت السلطات البحرينية إجراءاتها الأمنية، مستندة إلى قوانين فضفاضة تتعلق بـ«الأمن الوطني» و«جرائم تقنية المعلومات»، لقمع أي تعبير خارج السردية الرسمية.

وأفادت منظمات حقوقية بارتفاع غير مسبوق في أعداد الاستدعاءات والاعتقالات، خصوصًا بحق مواطنين شاركوا في تجمعات شعبية داعمة لفلسطين أو عبّروا عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن رفضهم للتطبيع مع إسرائيل.

ووفق تقارير حقوقية شهدت البحرين خلال العامين الماضيين موجة اعتقالات واستدعاءات طالت عشرات النشطاء، بلغ عدد المعتقلين منهم ما لا يقل عن 35 شخصًا.

وكانت معظم هذه القضايا ترتبط بشكل مباشر بالتضامن مع غزة أو انتقاد السياسات الرسمية الخليجية تجاه إسرائيل، ما يعكس تحوّل القضية الفلسطينية إلى «ملف أمني» داخل الدولة.

سياق خليجي أشمل

لا يمكن فصل هذا التشدد البحريني عن سياق إقليمي أوسع، حيث تتقاطع سياسات القمع مع تسارع خطوات التطبيع والعلاقات الأمنية والاقتصادية مع إسرائيل.

ففي الإمارات العربية المتحدة، اعتُقل الناشط البارز منصور الأحمدي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بعد استدعائه من قبل جهاز أمن الدولة، في قضية ربطتها منظمات حقوقية بمواقفه العلنية الداعمة لغزة ودوره في العمل الشبابي المقدسي.

كما سُجلت حالات تضييق وملاحقة في السعودية بحق أفراد عبّروا عن مواقف سياسية أو إنسانية متضامنة مع الفلسطينيين.

غير أن البحرين تبرز بشكل خاص بوصفها من أكثر الدول تشددًا في تجريم التعبير السياسي، في ظل سجل طويل من القمع منذ عام 2011، وإغلاق شبه كامل للمجال العام.

ويرى حقوقيون أن ما يجري اليوم هو امتداد طبيعي لهذا المسار، لكن مع توظيف القضية الفلسطينية كذريعة إضافية لإسكات أي صوت معارض.

محاكمة إبراهيم شريف كعنوان لا كاستثناء

في هذا الإطار العام، جاءت محاكمة المعارض البحريني إبراهيم شريف بوصفها نموذجًا صارخًا، لا حالة فردية.

فقد اعتقلت السلطات شريف في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 عقب عودته من المؤتمر الوطني العربي في بيروت، ووجهت إليه تهم «نشر أخبار كاذبة» و«الإساءة إلى دول عربية»، على خلفية تصريحات سياسية انتقد فيها تخلي الأنظمة العربية عن دعم الفلسطينيين وتطبيع علاقاتها مع إسرائيل.

وفي 8 يناير/كانون الثاني 2026، أصدرت المحكمة الجنائية الصغرى حكمًا بسجنه ستة أشهر وتغريمه 200 دينار بحريني، بسبب مقابلة مع قناة اللؤلؤة.

ورأى حقوقيون أن الحكم يعكس استخدام القضاء كأداة سياسية، لا سيما أن التصريحات محل الإدانة تندرج بوضوح ضمن حرية الرأي والتعبير.

وتُظهر هذه القضايا كيف تُطوّع القوانين البحرينية لتجريم الخطاب السياسي السلمي. فمصطلحات مثل «الأخبار الكاذبة» أو «الإساءة» تُستخدم بمرونة تتيح ملاحقة أي رأي لا ينسجم مع توجهات السلطة.

ويؤكد محامون وناشطون أن هذه القوانين لا تستهدف حماية المجتمع، بل حماية خيارات سياسية محددة، وعلى رأسها مسار التطبيع والتحالفات الإقليمية.

ويرى مراقبون أن البحرين، عبر هذه السياسات، لا تكتفي بقمع المعارضة التقليدية، بل تسعى إلى ردع المجتمع بأكمله عن الانخراط في الشأن العام، وفرض صمت قسري تجاه واحدة من أكثر القضايا حضورًا في الوجدان العربي.

ويشدد هؤلاء على أن تشديد القيود على التعبير السياسي في البحرين، خاصة عندما يتعلق بفلسطين، يضع المملكة في مواجهة مباشرة مع التزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان. كما يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويغذي شعورًا متزايدًا بالظلم والإقصاء.

وفي ظل صمت دولي لافت، تبدو البحرين ماضية في هذا المسار دون كلفة سياسية تُذكر. لكن حقوقيين يحذرون من أن هذا النهج، وإن نجح مؤقتًا في إسكات الأصوات، فإنه يراكم أزمات مؤجلة، ويحوّل التضامن الإنساني إلى فعل مقاومة داخلية.

Exit mobile version