تحول القمع في البحرين إلى سياسة ممنهجة ومتعددة المسارات تستهدف أي تعبير مستقل عن الرأي، سواء كان سياسياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً في ظل إغلاق المجال العام وتجريم الاحتجاج السلمي في البلاد.
ورسم تقرير حديث صادر عن منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين، صورة قاتمة لمشهد حقوقي يزداد انغلاقاً، موثقاً أربع موجات متتالية من القمع امتدت بين 2023 ومطلع 2026، وأظهرت انتقال السلطة من استهداف المعارضة المنظمة إلى تجريم الاحتجاج السلمي بكل أشكاله.
وقد ترافقت الموجة الأولى مع الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث شددت السلطات البحرينية إجراءاتها ضد أي مظاهر تضامن مع الفلسطينيين أو رفض للتطبيع.
ولم تميز الاعتقالات والاستدعاءات بين ناشط سياسي أو مواطن عادي، وتم تفريق تظاهرات سلمية بالقوة، مع إحالة مشاركين إلى القضاء.
وتبرز في هذا السياق قضية إبراهيم شريف، الأمين العام السابق لجمعية “وعد”، الذي صدر بحقه في يناير 2026 حكم بالسجن ستة أشهر وغرامة مالية، استناداً إلى مقطع مجتزأ من مقابلة إعلامية، في محاكمة اعتُبرت مثالاً صارخاً على استخدام القضاء لإسكات الأصوات المنتقدة.
أما الموجة الثانية، فجاءت على خلفية التضامن الإنساني مع القيادي المعارض المعتقل حسن مشيمع، بعد تدهور حالته الصحية نهاية 2025.
وقد قوبلت تجمعات الصلاة السلمية أمام منزله في جدحفص بحصار أمني، واستدعاءات واعتقالات واسعة شملت أفراداً من عائلته ومؤيديه، بينهم قاصرون.
كما أُغلقت الطرق، ونُفذت مداهمات، ولاحقت القوات المشاركين حتى القرى المجاورة، قبل أن تُقمع هذه التجمعات بالكامل بحلول منتصف يناير 2026، في مشهد يعكس حساسية السلطة المفرطة تجاه أي فعل جماعي مستقل، حتى لو كان ذا طابع ديني وإنساني.
وكشفت الموجة الثالثة بوضوح اتساع دائرة القمع لتشمل المطالب الاجتماعية والاقتصادية.
فمع تصاعد البطالة، نظم شبان عاطلون عن العمل اعتصامات سلمية أمام وزارة العمل وفي أماكن عامة. الرد الرسمي لم يكن بفتح حوار أو تقديم حلول، بل بالاستدعاءات والاعتقالات، وتهم “التجمع غير المشروع” و“التحريض على الرأي العام”.
وتجسد قضية الناشط محمد عبد الله السنكيس، الذي اعتُقل سبع مرات بسبب احتجاجه السلمي، كيف تحوّلت المطالبة بالعمل إلى “جريمة أمنية”، بينما رُفضت شكاواه المتكررة دون أي تحقيق.
وجاءت الموجة الرابعة عقب مقتل الصياد عبد الله حسن يوسف في حادث غامض مع خفر السواحل في أكتوبر 2025.
وبدل فتح تحقيق مستقل وشفاف، واجهت السلطات الغضب الشعبي – سواء في الشارع أو على الإنترنت – بحملة اعتقالات واسعة، شملت أكثر من 40 شخصاً، بينهم قاصرون، واستدعاء أكثر من 115 آخرين.
كما وُجهت تهم ثقيلة مثل “التحريض على كراهية النظام”، وتحدثت تقارير عن حرمان المعتقلين من الصلاة والغذاء والرعاية الطبية. ورغم الإفراج لاحقاً عن الجميع، أُغلقت القضية دون محاسبة أو إعلان نتائج التحقيق، ما عمّق شعور الإفلات من العقاب.
وإلى جانب القمع الميداني، يوثق التقرير اعتماد السلطات على حملات إعلامية وإلكترونية منظمة لتشويه النشطاء والمتظاهرين.
إذ أن حسابات موالية للحكومة، يُشار إليها غالباً بـ“الذباب الإلكتروني”، لعبت دوراً محورياً في اتهام المحتجين بالخيانة أو الارتباط بقوى خارجية، وتحويل المطالب المشروعة إلى تهديدات أمنية مصطنعة، في محاولة لتجريدها من أي تعاطف شعبي.
وتشهد هذه الموجات الأربع أن البحرين تواجه إغلاقاً شبه كامل للمجال العام، حيث تُقابل السياسة والاحتجاج الاجتماعي والإنساني بالأدوات نفسها: المنع، الاعتقال، التشهير.
وتدعو منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين إلى الإفراج الفوري عن جميع المحتجزين بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم، وإنشاء آليات مستقلة للمساءلة، مؤكدة أن استمرار هذا النهج لا يهدد الحقوق الأساسية فحسب، بل يقوّض أي حديث رسمي عن الاستقرار أو الإصلاح.
